بسم الله الرحمن الرحيم

حوزة الكوثر للدراسات الإسلامية

دروس في العقيـدة الإسـلاميـة من منظور الإمام الخميني قدِّس سرُّه

سماحة العلاّمة الشيخ إبراهيم الأنصاري
الدرس الأول :الحكمة النظرية و الحكمة العملية


الحكمة النظرية و الحكمة العملية :

كل مدرسة متكاملة وأيديولوجيةٍ صحيحة تفتقر إلى أمرين رئيسين :

الأول : نظامٌ فكريٌّ وفلسفيٌّ مُستدَلٌ عليه، قائم على أساس البرهان والدليل الذي لا تعتريه الشبهات ولا تتخلله الأوهام.

الثاني : إيمانٌ كامل وعقيدة راسخة بحيث يمكن من خلالها إيجاد علاقة وثيقة وحب شديد للأهداف المنشودة المقدسة التي تكمن في أمورٍ غيبية خارجة عن نطاق الأشخاص والأفراد والأشياء ومرتبطة بعالمٍ آخر وحياة أخرى لها القدسية والسموّ .

النظام الفكري :  نظري و عملي :

والنظام الفكري ينقسم إلى قسمين : نظامٌ نظري ونظام عملي.

النظام الفكري النظري : هو أسلوب من التفكر عما هو موجود.

النظام الفكري العملي : هو أسلوب من التفكر عمّا ينبغي أن يُفعل أو لا يفعل.

فالأوّل يسمى الرؤية الكونية والثاني يسمى الأيديولوجية، وقد عُرِّفا بالتعريف التالي:

الرؤية الكونيـة :

"مجموعة من المعتقدات والنظريات الكونية المتناسقة حول الكون والإنسان بل حول الوجود بصورة عامة".

الأيـديولوجيـة :

"مجموعه من الآراء الكلية المتناسقة حول سلوك الإنسان وأفعاله".

وهناك تعبير آخر في عرف الحكماء حيث يعبرون عن الرؤية الكونية بالحكمة النظرية وعن الأيديولوجية بالحكمة العملية.

ومن أهم الأركان للمدرسة الفكرية هو كونها منظومة متكاملة ومتناسقة بحيث تشكل مجموعة واحدة، فهي كالبناء المشتمل على المرافق الكثيرة التي تهدف غرضاً واحداً  فكل واحدة منها مكملة للأخرى، ومن هنا نستنتج أن الأفكار غير المتناسقة وغير المترابطة لا يمكن أن تشكل مدرسة فكرية ولا ينبغي أن يُطلق عليها اسم المدرسة.

النظرية روح العمل :

إن كل عملٍ لا يَبتني على نظرية فهو كالجسم الذي لا روح فيه، فكما أن الجسم من غير الرّوح ليس له أي أثر إيجابي أو سلبي ولا فائدة فيه، كذلك العمل من غير نظرية فهو ليس إلاّ حركات عشوائية غير مترابطة وغير منصبّة في غايةٍ واحدة وهدفٍ واحد.

ومن هنا نقول أن الجانب العملي من المدرسة المتكاملة ليس هو إلاّ كالجسم المتكون من أعضاء وجوارح بعضها ضروري لازم وبعضها غير لازم، فنشاهد أنّ في جسم الإنسان هناك بعض الأعضاء لها دور رئيسي وبعضها تعتبر أمور ثانوية وتشكل زينة للجسم فقط، فلليد والرجل والعين أدوار رئيسية ولكن الشعر والحاجب يشكلان زينة للإنسان، نفس الكلام ينطق على الجانب العملي من تلك المدرسة، فهناك واجبات ومحرمات ومكروهات ومستحبات ومباحات، فالواجبات والمحرمات لها الأهميّة البالغة دون المكروهات والمستحبات فهما في المرحلة الثانية من الأهميّة، وأما المباحات فهي تقع في المرحلة الثالثة لأنَّها تمنح الحريَّة للإنسان إن أراد فعل وإن أراد لم يفعل.

القـدسـيّة :

إن القوَّة المُحرّكة للرؤية الكونية هي أمرٌ واحد فقط وذلك الأمر هو القُدسيَّة والرَّوْحانية المتواجدة فيها، فليس  هناك ما يجعلها نافذة ومؤثِّرة إلا تلك القدسية فقط، فلو لم تكن للرؤية الكونية قدسِيَّةً لا يمكنها أن تنجح ولا يمكنها أن تكسِب أُناساً يتبَنَّوْنَها، لأنّ الرؤية الكونية هي التي تخطِّط مسيرةَ الإنسان نحو الكمال بمستوى تجعله يفعل أو لا يفعل وتتوقع من الإنسان أن يخطو طِبْقاً للضوابط والقوانين المرسومة وطِبقاً للنظام الفكري الخاص، ومن الواضح أن هذا الأمر يحتاج إلى دافع قوي ولا قدرة للأمور الحسيَّة أن تكون دافعاً لذلك، بل لا بدَّ وأن يكون الدافع هو أمراً غيبياً خارجاً عن إطار المادة والماديات.

التـوحـيد :

التوحيد هو أقوى دافع للإنسان كأساس وقاعدة للرؤية الكونية، لأنّه يشكل رؤيةً متكاملةً بالنسبة للوجود والإنسان، وفي نفس الوقت يشتمل على قدَّسية ونورانيَّة تضيء روح الإنسان وجسده بل تنوِّر كلَّ شيءٍ، فهو كالشمس المشعَّة يسطع بالنور في زوايا الوجود في جميع مراحله وكافة زواياه من عالم الغيب إلى عالم الشهود.

 

الدرس الثاني : مراتـب التوحـيد


مراتب التوحيد أربعة :

-التوحيد في الذّات المتمثِّل في التكبير (الله أكبر).

-التوحيد في الصفات  المتجلِّي في التسبيح (سبحان الله).

-التوحيد في الأفعال الظاهر في الحَمد (الحمد لله).

-التوحيد في العبادة المتجسِّد في التهليل (لا إله إلا الله).

فالتكبير هو التوحيد الذاتي، الذي هو أعلى مستوى من التوحيد، ومنه ينتقل الإنسان إلى مرحلة أخرى وهي التوحيد الصفاتي، فيرى أنَّ صفاته تعالى هي عين ذاته، فيتهيأ للمرحلة الثالثة وهي التوحيد في الأفعال (لا حول و لا قوَّة إلا بالله العليِّ العظيم) (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى)(الأنفال/17)، لا مؤثر في الوجود إلا الله سبحانه وتعالى.

ولا تقتصر المدرسة التوحيدية بهذه المراحل الثلاثة، بل ترى أنَّ هناك مرحلة تمسُّ أفعال الإنسان وجوارحه وهي المرحلة العملية أعني التوحيد في العبادة، فلا يجوز أن يُعبد غير الله تعالى فيجب نفي جميع المعبودين وإثبات معبودٍ واحد فقط (لا إله إلا الله).

فالمرحلة الأخيرة هي مرحلة العمل كما أن المرحلة الأولى هي مرحلة أساس الرؤية الكونية، فالتوحيد في الذّات هو مصدر ومعدن التوحيد الذي من خلاله تُوحَّد كلُّ شيء في عالمي  التكوين والتشريع. فنشاهد بأن الجانب العملي ينبثق من نفس التوحيد، فيَلزَم للإنسان الموَحِّد أن يعبد الله تعالى ويُسلّم أمرَه إليه ويحسّ بالفقر في قباله، فعبادة الله إذاً قد ركَّزت جذورها في عمق روح الإنسان بل في كل شيئ (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ )(آل عمران/83).

ومن هنا نستنتج بأن التوحيد يشتمل على خصوصيتين :

أحدُهما: رؤية كونية وفهمٌ كوني متكامل.

ثانيهما: أنه هدفٌ وقضية مقدّسة للإنسان.  

من خلال ما ذكرنا نصل إلى نتيجة مهمة جداً وهي: أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين الرؤية الكونية الإلهية والأيديولوجية الإسلامية، وهذه الخصوصية لا نجدها في أية مدرسة من المدارس المادية وكذلك المسيحية واليهودية وغيرهما.


الدرس الثالث : الإسـلام مدرسـة متكامـلة

 

الرؤيـة التوحـيدية :

وهذه الرؤية لها خصوصيات :

1- تخلق الشعور بالمسئولية في الإنسان.  

2- تهدي وتبيّن الطريق للوصول إلى الأهداف المقدسة.

 3- توجِد النشاط والحيوية وروحية الفداء في الإنسان . بل هي عنصر من عناصر جميع التعاليم.  

فهي كالأصل البديهي "إجتماع النقيضين" الذي هو أساس جميع القضايا العقلية، فلا يمكن للإنسان أن يتيقَّن بأصلٍ من الأصول إلا بعد أن يذعن بهذا الأصل، كذلك أصل التوحيد، والتوحيد كالماء للشجرة فلولا الماء لما نمَت الشجرة وارتفعت، وهو كالدَّم للإنسان ولولا الدّم لما تمكن الإنسان أن يبقى ولو لحظة واحدة، بل هو كالرُّوح للبدن فالذي يُسيِّر البدن ليس هو إلاَّ الرّوح وهو الذي يجعل البدن حيّاً ونَشِطاً، ولا توجد رؤية كالتوحيد تمتلك هذه الخصوصية وتشتمل على هذه الميزة.

الهدف من التوحـيد :

 الهدف من التوحيد هو السير والسلوك إلى الله سبحانه وتعالى والتّقرُّب إليه، وهذا السير ليس هو سيراً مادياً حسياً بل هو معنوي باطني، فالإنسان لا يتقرب إلى الله إلا بروحه وقلبه وإلى ذلك تشير آيات كثيرة وروايات متواترة، ومَرْكب السير في هذا السفر هو العشق والمحبّة والأُنس والطريق الذي لابد أن يسلك السالك من خلاله هو طريق القلب.

الإسلام مدرسـة متكاملة:

الإسلام مدرسة واقعيّة وليس الإسلام مجرَّد نظرية، وقد ركَّز الإسلام على كافة جوانب الحياة وجميع أبعاد  الإنسان الظاهرية والباطنية الملكية والملكوتية الدنيوية والأخروية والجسمية والروحية والعقلية والفكرية والعاطفية والفردية والاجتماعية.

تنقسم مجموع تعاليم الإسلام من وجهة نظر خاصة إلى ثلاثة أقسام :

القسم الأول : أصول العقائد. وهي الأمور التي ينبغي للإنسان الاعتقاد بها ويتوصل إليها من خلال الدليل والبرهان، والعمل الذي تتطلبه هذه الأمور هو التحقيق العلمي الدقيق.

القسم الثاني : الأخلاق الإسلامية. وهي الصّفات والخصال التي يلزم على المسلم أن يتحلَّى بها ويُبعِد نفسه عن أضدادها، والعمل الذي يتطلبه هذا الأمر هو المراقبة وبناء النفس.

القسم الثالث : أحكام الإسلام. وهي القوانين التي ترتبط بأعمال الإنسان الخارجية والعينية، من أعماله المعاشية والمعادِيَّة الدنيوية والأخروية الفردية والإجتماعية.

ثم إن أصول العقائد الإسلامية على حسب مذهب الشيعة هي خمسة:

التوحيد، العدل، النبّوة، الإمامة والمعاد. ... الإسلام لا يرى صحّة التّقليد والتّعبُّد في مثل هذه الأمور بل يرى بأن كلّ إنسان وبكمال الحرية والإستقلال ينبغي له أن يذعن بنحو اليقين بصحة هذه الأمور.

وأمّا بالنسبة للعبادات فالإسلام لا يرى أن العبادات منحصرة بالعبادات البدنية كالصلاة والصوم، أو المالية كالخمس والزكاة، بل هناك نوع آخر من العبادات وهي العبادات الفكرية كما ورد في الحديث:

(أنَّ أكثر عبادة أبي ذر التفكر).

قال الإمام الخميني قدِّس سرُّه: 

"في بيان فضيلة التفكر: إعلم أن للتفكر فضائل كثيرة. فالتفكر هو مفتاح أبواب المعارف وخزائن الكمالات والعلوم، وهو مقدمة لازمة وحتمية للسلوك الإنساني، وله في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة تعظيم بليغ وتمجيد كامل، كما أن تاركه معير ومذموم. وقد جاء في (الكافي) الشريف عن الإمام الصادق عليه السلام: " أفضل العبادة إدمان التفكر في الله وفي قدرته"(أصول الكافي ج2 كتاب الإيمان والكفر باب التفكر ح3). وفي حديث آخر: "تفكر ساعة خير من قيام ليلة". وفي حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن تفكر ساعة خير من عبادة سنة". وفي حديث غيره: "إن تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة"، وفي رواية: "سبعين سنة"، وعن بعض علماء الفقه والحديث: "ألف سنة"(الأربعون حديثاً).


الدرس الرابع : أنـواع المعـرفة


1- المعرفة التجـريبية :

هي التي تعتمد على التجربة وتستفاد من خلال الحواس الخمسة: السامعة، الباصرة ،الشامَّة، الذائقة واللامسة. وذلك بانعكاس الصور الخارجية في الذهن، وقد شرحنا كيفيَّة حصول ذلك في كتابنا (دروس في المنطق) فراجع.

هل يمكن الاعتماد على مثل هذه العلوم بنحو مستقل ؟

وهل يمكن التوصل إلى رؤية كونية متكاملة حول الوجود انطلاقاً من معطيات العلوم التجريبية أو القضايا العلمية(المقصود من هذا المصطلح أعني العلمية هو معناه الخاص لا العام حيث يطلق في عصرنا على التجريبيات)؟

في الجـواب نقول:

 لا يمكن الاعتماد على التجربة في مجال المعرفة الشاملة أصلاً وذلك لأمرين رئيسيين:

الأوَّل : إنَّ التجربة مجالها محدود لأنَّها تتحدد وتنحصر في نطاق ضيِّق أعني الظواهر الماديَّة البحتة ومسائل الطبيعة.

الثاني : إنَّ الرؤية الكونية لها صبغة غيبيَّة ما وراء الطبيعة وتشتمل على مسائل خارجة عن إطار المادة، كإثبات وجود الله وصفاته والملائكة والقيامة وغيرها، ومن الواضح أنّه ليس من شأن التجربة الورود في هذا الميدان أصلاً، وعليه ليست الرؤية التجريبيَّة إلاّ سرابٌ خادع يحسبه الضمآن ماءاً، فالأولى أن لا يطلق عليها كلمة "رؤية" بل لا تتجاوز عن "معرفة العالم المادِّي" وهي معرفة مؤطَّرة جداً لا قيمة لها .

نعم : لو استخدمت التجربة كوسيلة تمهيدية فحينئذٍ لا بأس بها، بل تكون ضروريَّة لأنَّ التجربة تكوِّن المقدَّمة الأولى للاستدلال وهي ما تسمَّى "صغرى"، وهناك مقدَّمة ثانية تعتمد على القضايا العقلية البحتة وتؤول إلى البديهيّات الأوَّلية وهي قضيَّة عامَّة مجرَّدة تسمَّى "كبرى" وهي التِّي لها الدور الرئيسي في الاستدلال وبها يكون الدليل دليلاً وقاعدةً وقانوناً.

مثـال :

"كلُّ نار محرقة" هي ليست قانون مستنبط من التجربة كما يتصوَّر الماديُّون، بل هو قانون يعتمد على أساس العقل ويبتني على الأمور البديهيَّة التِّي تمثِّل القاعدة الأولى لفكر البشر.

توضيحه :

عندما يشاهد الإنسان النار الخاص على الموقد فيتقرَّب إليه ويعلم بأنَّه يحرق ثمَّ يجرب ناراً أخرى وهكذا، فلا يحقُّ له أن يحكم على جميع نيران العالم بهذا الحكم فيقول "كلُّ نار تُحرق" لأنَّه لم يستقرأ جميعها ولا يمكنه ذلك.

ولكن الواقع خلاف ذلك حيث حكمت على جميع النيران بأنَّها تحرق من غير استثناء لا من حيث المكان ولا من حيث الزمان فكيف حصل هذا الحكم؟ أليس هو بالتجربة؟

أقـول :

 إنَّ هذا الحكم غير مستنبط من التجربة بل لم تكن للتجربة دور غير تشخيص موارد جزئيَّة ومصاديق خارجيَّة للنار بأنَّها تحرق، وبعبارة أوضح قد عرف الإنسان من خلال التجربة أنَّ النار هي "عـلَّة" والإحراق هو "معـلول" وهذه القضيَّة قد شكَّلت القاعدة الأولى للاستدلال فقط وهي "الصغـرى".

وأمَّا القاعدة الثانية "الكبـرى" وهي "كلّما تحقَّقت العلَّة تحقَّق المعلول" وهي الأهمّ فلا علاقة لها بالتجربة أصلاً بل تبتني على أساس آخر وهو "استحالة اجتماع النقيضين" وهو من البديهيات الأوَّلية، والإنسان مفطور على معرفتها، فرجعت التجربة بالأخير إلى العقل.

هـذا :

والدليل على ما قلنا هو أنَّه لو لم نستنتج من التجارب المختلفة الارتباط العلِّي والمعلول لكانت النتيجة سقيمة لا محالة. ومثال ذلك :

لو قيل بأنَّ أهالي بلدة من بلاد إفريقيا قد ابتلوا بالعمى جرّاء التسمم الحاصل في جوِّ بلادهم، فلو ذهبنا واستقرأنا عدداً منهم وعرفنا بالفعل أنَّهم كذلك فهل لنا أن نحكم بأن جميعهم كذلك؟ ونحن نحتمل أنَّ هناك من صان نفسه من ذلك أو أنَّه كان خارج بلده حين ذاك؟!

فمادام لم نعلم بأنَّ هناك علاقة العلية والمعلولية بين الأمرين أعنى "الكون في تلك البلاد" و "العمى" فلا يحق لنا أن نحكم على جميع الناس بالعمى، لأنَّه لم نتمكَّن من تطبيق تلك القاعدة العامَّة "قاعدة العلِّية" على هذه المورد الخاص.

والحاصل أنَّ التجربة لا قيمة مستقلَّة لها في إثبات مسائل الرؤية الكونيَّة.


الدرس الخامس : المعـرفة التّعبـدية


2- المعرفة التّعبـدية :

وهي التي تعتمد على التعبُّد بالمصادر والوسائط المعتمدة الناقلة للرسالة من الله سبحانه وتعالى، وهم الأنبياء وكتبهم والأئِّمة وحتّى علماء الشريعة المعتمدين، فالإيمان بهم هو الدليل على صحَّة تلك المعتقدات الأساسيَّة، فمثلاً الاعتماد على القرآن الكريم هو الذي يدعوا الإنسان إلى قبول كلَّ ما فيه من المعتقدات حتَّى إثبات وجود الله والنبوَّة العامة والخاصة والمعاد وغيرها.

فهل من الصحيح أن نكوِّن رؤية كونية من خلال التعبد ؟ وما هو نطاق التعبُّد إذاً ؟

أقول في الجواب :

إنَّ التعبُّد يتوقَّف على إثبات صدق المصدر مثل القرآن الكريم والأحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت عليهم السلام بالنسبة إلى دين الإسلام .

فلو أردنا إثبات وجود الله مثلاً عن طريق القرآن الكريم فيجب أن نعتقد بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن نعتقد بوجود الله تعالى، والمفروض أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم نبيٌ من قِبل الله فينبغي أن نعتقد بوجوده تعالى قبل الاعتقاد بنبوَّة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهل هذا إلاّ التناقض المحال حيث أننا نعتقد بوجود الله ولا نعتقد في آن واحد ونعتقد بنبوَّة محمد ولا نعتقد في آن واحد.

 وعليه لا يمكن أن نعتمد على مثل هذه الطريقة للوصول إلى رؤية كونيَّة صحيحة .

قال الإمام الخميني قدِّس سرُّه :

"باب إثبات الصانع والتوحيد والتقديس واثبات المعاد والنبوّة بل مطلق المعارف حقٌ طِلقٌ للعقول، ومن مختصاتها وإن ورد في كلام بعض المحدثين من ذوي المقام العالي أنّ الاعتماد في إثبات التوحيد على الدليل النقلي فمن غرائب الأمور بل من المصيبات التي لابد أن يستعاذ بالله منها".

ولذلك أكَّد علماؤنا على أنَّ أمر القرآن الكريم بالإطاعة في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ)(النساء/59) ليس هو أمرٌ تعبُّدي بل إرشاد إلى حكم العقل بوجوب الإطاعة كأوامر الطبيب التِّي ليست هي إلا لتنبيه المريض على أمورٍ لها أثر إيجابي أو سلبي فيه، لا يعرفها بنفسه، لا أنَّ أوامره تعبدُّية أي أنَّها واجبة التنفيذ لكونها من الطبيب بما هو طبيب لا بما هو كاشف عن أمر واقع خارجي.

الأوامر الإلهيـة :

وكذلك بالنسبة إلى الأوامر الإلهيَّة فلا بد من وجود مصدر غير الشرع يحكم بوجوب إطاعة الشارع في أوامره ونواهيه، وإلا سوف نعيد السؤال مرة أخرى ما هو الدليل على وجوب امتثال الشارع في أمره بإطاعة أوامره، وعليه قالوا بأنَّه من أطاع هذا الأمر أعني (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فصلَّى وصام وحجَّ بيت الله الحرام فهو قد اكتسب أجرَ تلك الأعمال باعتبارها مصاديق لإطاعة الله والرسول لا أنَّ له أجرين، أحدهما للإطاعة وثانيها للأعمال التِّي مارسها.

فالنتيجة أنَّه ليست هناك معرفة تعبدِّية مستقلَّة عن العقل في مجال أصول العقائد، نعم بالنسبة إلى التفصيلات في العقائد، مثلاً خصوصيات الحشر والنشر والقيامة فلا مانع من التمسك بالآيات الكريمة بل يلزم ذلك حيث لا وسيلة أخرى غيرها، على أنَّ قوامها ثابت بالعقل وذلك بعد إثبات الخالق وإثبات نبوَّة الأنبياء والرسول الأكرم صلى الله عليه وآله.

تنبـيه :

نحن سوف نعتمد على كثير من الآيات والروايات لإثبات أصول العقائد، وذلك لما قلنا من أنَّها إرشاد لحكم العقل كقوله (أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ)(إبراهيم/10). حيث تثير عقل البشر إلى ما يستبطنه، وهذا هو دور الأنبياء كما في كلام أمير المؤمنين عليه السلام:

(فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه، ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول) ( بحار الأنوار ج11 ص60).

وبعبارة أخرى نقول :

إنَّنا سوف نعتبر الشارع المقدَّس من العقلاءن فهو كأيِّ من يتعقَّل ويفكِّر يستعرض لنا أدلَّة عقلية لإثبات الصانع وصفاته وغيره من العقائ ، كيف لا وهو أعقل العقلاء بل هو خالق العقل والعقلاء، ولذلك نراه يؤكِّد على التعقُّل والتفكير (أفلا تعقلون) (أفلا تتدبَّرون).


الدرس السادس : المعرفة العقلية و المعرفة الشهودية


3- المعرفة العقليـّة :

ونعني بالعقل هنا الفكر الذي تحدَّثنا عنه في المنطق، حيث ينتقل الإنسان من المعلومات المخزونة لديه إلى المجهولات، وله أن يتوسَّع في المفاهيم العقلية فيعمِّمها أو ينتزع منها مفاهيم أخرى لا واقع لها في عالم العين أصلاً وهي التِّي يطلق عليها المفاهيم الإنتزاعية التي يتطرق إليها الفلاسفة كمفهوم: "الوحدة" "الكثرة" "العليَّة" "الإمكان" "الوجوب" "القوَّة" "العدم" فهذه ليس لها واقع في الخارج فلا علاقة للتجربة والحس بها أصلاً.

نعم منشأ انتزاعها هو في الخارج "كالواحد" الذي هو منشأ انتزاع "الوحدة"، و"الكثير" الذي هو منشا انتزاع "الكثرة"،  و"العلة" التي هي منشأ انتزاع "العلِّية".

فالسؤال المطروح هنا هو:

هل يمكن الإعتماد على العقل لإثبات ما وراء الطبيعة؟

وهل الرؤية الكونية العقلية والفلسفيَّة يمكنها أن تشكِّل معتمداً للأيديولوجية الصحيحة، أم هي كالتجربة والتعبُّد لا يمكنها أن تتخطى إلى تلك الساحات المقدَّسة؟

والجواب على هذا السؤال يتطلَّب نوعاً من التأمُّل والدقَّة، لأنّه قد اختلف القوم في الأمر اختلافاً كبيراً، وهناك رأي  هو الجادة الوسطى وهو نابع من القرآن الكريم وأهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام.

فنقـول :

في البداية ينبغي لنا أن نحدِّد بدقة ما نريده من البحث والإستدلال في مجال المعرفة:

هل هو مجرَّد تصوُّر بأنَّ هناك عالم ما وراء الطبيعة، واثبات صانعٍ متَّصفٍ بالصفات الجماليَّة ومنزَّه عن العيوب والنواقص؟ وأنَّه يجب أن يرسل الرسل وينزل الكتب ويجازي على الخير ويعاقب على الشرّ؟

من الواضح أنَّ  إثبات هذه الأمور لا يتمُّ إلا بالاستدلالات الفلسفيَّة المتقنة والبراهين الواضحة، وقد سلك المتكِّلمون هذا المسلك وهذا من الوجوه التي من أجلها سمُّوا بهذا الإسم،  فهم كانوا يخوضون في الاستدلال ويتكلَّمون كثيراً لإثبات مدَّعاهم، وأيضاً الفلاسفة الذين جمدوا على الفلسفة يميلون إلى هذا الأسلوب.

وأمّا لو قلنا بأنَّ الأمر هو أعظم من هذا المستوى من العلم، بل ينبغي أن ينتقل الإنسان من العقل إلى العرفان ومن العلم العقلي إلى الشهود القلبي، فحينئذٍ لا يمكن لنا أن نحصر الرؤية بالعقلية بل ينبغي أن نوافق بينها وبين رؤية أخرى وهي الرؤية العرفانية والمعرفة الشهودديَّة، ولهذا سوف نتطرَّق إليها ونشرحها ونبيِّن موقفنا من المعرفة العقليَّة معتمدين على حقائق تطرَّق إليها الإمام الخميني في مختلف كتبه .

4- المعرفـة الشـهوديَّة :

وهذه حقيقةً معرفةٌ في قبال العلم، حيث يتعلَّق العلم فيها بعين المعلوم وذاته دون أن تكون للصورة والمفهوم الذهني وساطة للوصول إلى المعلوم أصلاً، وهو العلم الحضوري الذي شرحناه في المنطق، وهو الكشف والشهود والإشراق، وهذه الحالة إنَّما تتطلب خطوةً واحدة وهي ترك "الأنا" ولوازمها، وإن كان الوصول إليها تفصيلاً يستدعي السعي المتواصل والسير والسلوك والجهاد الباطني وهو الجهاد الأكبر.

ولكن يجب أن يسلك الإنسان فيها من خلال الاستدلالات العقلية ليتصوَّر مفاهيم عامَّة حول الوجود والكون والخلق وغيرها، ومن ثَمَّ يجعلها جسراً ليمرَّ عليها إلى منزلة الشهود فالرؤية هي شهودية وإن كان الطريق هو العقل.

وعليه لا يصل الإنسان إلى العرفان حقيقةً إلا بالعلم والحكمة، وبهذا يتميَّز العارف الحقيقي من الإنسان الخيالي الذي يتوهَّم الوصول إلى مدارج العرفان، هذا وليس كلُّ عالم عارف بل العلم ربَّما يوجب الركود والجمود بل يؤدِّي إلى الجهل المركب فيكون حينئذٍ وسيلةً للشيطان.

قال الإمام الخميني قدِّس سرُّه:

"حتى العلوم العقلية البرهانية الراجعة إلى توحيد الحق وتقديسه كل ذلك من حبائل إبليس التي تمنع الإنسان عن الحق والأنس به والخلوة معه وتشغله بذلك"(الآداب المعنوية للصلاة ص382).

الألفـاظ حجـب :

العلوم العقلية بما أنَّها علوم حصوليَّة، فلا محالة تدرك من خلال الألفاظ، ولا يمكن للّفظ، مهما بلغ من الجمال، أن يشير إلى صفات الله وأسمائه الجلالية، فكيف بصفاته وأسمائه الجماليَّة واسمه الأعظم!

يقول الإمام قدِّس سرُّه :

"ألا إن ثوباً خيط من نسـج تسعة وعشرين حرفاً من معاليه قـاصر، بل ليس فهم هذه الحقايق بالبراهين المشائية والقياسات الفلسفية والمجادلات  الكلامية"(شرح دعاء السحر ص174).

الإيمـان لا العـلم :

ليس المطلوب هو مجرَّد العلم، بل ينبغي الوصول إلى الإيمان بالله تعالى وسائر المعتقدات، والاستدلال مهما كان قوياً لا فجوة فيه، إلا أنَّه لا ينتقل من القناعة العقلية إلى القلب إلا بالإيمان.

قال الإمام قدِّس سرُّه :

"باي استدلاليان جوبين بود  باي جوبين سخت بي تمكين بود(وهذا البيت من الشعر للمولى الرومي يقول: "إن للإستدلالّيين رِجلاً من خشب ولا يمكن الاعتماد على الرجل الخشبية")، ونِعم ما قال العارف الشيرازي قدس سره: مدعى خواست كـه آيـد  بـه تـماشـاكَه راز دسـت غيب  آمـد وبر  سـيـنهء نامحرم زد  عقل ميخواست  كزآن شعله جراغ افروزد بـرق  غيرت بـدرخشـيد وجـهان بـر هـم زد(فهناك من أراد المجئ إلى محل تفرج الأسرار، ليتفرج إليها، فجاءت يد غيبية وضربت على صدره  لأنَّه ليس بمحرم لذلك العالم ولا يجوز له أن ينظر إليه، والعقل أراد أن يوقد مصباحاً من ذلك المشعل الغيبي، فالغيرة أشعلت برقها الشديد وتشعشعت وخربت العالم دفاعاً عن نفسه في قبال العقل)، وهذا العلم مختص بأصحاب القلوب من المشايخ المستفيدين من مشكوة النبوة ومصباح الولاية بالرياضات والمجاهدات. هيهات نحن وأمثالنا لا نعرف من العلم إلاّ مفهومه، ولا من  مرموزات الأنبياء والأولياء ورواياتهم إلاّ سوادها وقشرها"(شرح دعاء السحر ص175).

وعلى هذا الأساس نقول :

إنَّ الوصول إلى رؤية صحيحة يتوقَّف على الإستدلال الفلسفي كمقدَّمة، والشهود كغاية ينبغي للإنسان أن يصل إليها، ولذلك يجب أن نميِّز  بين العارف الحقيقي والمدَّعي للعرفان(وفي عصرنا هذا قد ظهر الكثير ممن يدَّعي العرفان وتبعهم الهمج الرعاء جهلاً بالواقع)، فالعارف الحقيقي لا يصل إلى العرفان إلا بالوصول إلى المدارج العلميَّة والتعمُّق في المفاهيم الفلسفيَّة والوصول إلى حقائقها.

هذا، وعرض المفاهيم العرفانية من خلال الألفاظ، إن كان للوصول إلى الشهود فهو مطلوب، وإلا فهي كغيرها من المفاهيم الذهنيَّة، سوف يكون لها أثر سلبي والعلم هو الحجاب الأكبر.

أسلوب بيان المعتقدات الإسلامية :

وعلى ضوء ما ذكرنا، نبيِّن أسلوبنا في بيان المعتقدات الإسلاميَّة، وهو أسلوب فلسفي عرفاني، وحيث أنَّ من أبرز من وصل إلى هذا المستوى وكتب في هذا المجال هو الإمام الخميني قدِّس سرُّه، مضافاً إلى خطورة الأمر وأهميته، فنرى من اللازم الاعتماد على منهج الإمام في بيان العقائد فإنَّ منهجه وبحق أفضل منهج وأسلوبه أبلغ الأساليب، فلم نشاهد قولاً قد لبس لباس العمل غير قوله، ولا منطقاً أظهر نفسه في المجتمع إلا منطقه، فسلام عليه يوم ولد ويوم ارتحل إلى ربِّه ويوم يبعث حياً.

الدرس السابع : إثبـات الصّـانع
البرهان الأوَّل: برهان الإمكان والوجوب

 

وإن كانت هذه المسألة، أعني إثبات الصانع، لا تحتاج إلى دليل، كما سنبيِّن في مطاوي أبحاثنا، إلا أنَّنا تمشِّياً مع القوم سوف نبيِّن أهم الأدلَّة التي تطرَّقوا لها وأفضل الطرق التي أشاروا إليها وهي تتلخَّص في ما يلي:

1- برهان الإمكان والوجوب.

2- برهان النظم.

3- برهان الصديقين.

4- طريق الفطرة.

البرهان الأوَّل : برهان الإمكان و الوجوب

من البراهين العقلية التّي اعتمد عليها المتكلِّمون والفلاسفة، وسوف نبيِّنه باختصار، وقبل أن نقرِّر البرهان يلزم ذكر مقدِّمتين لهما الأهمِّية البالغة:

المقدمة الأولى : العليّـة :

 هي ارتباط قويم بين أمرين، بحيث لا يمكن عقلاً تحقق الثاني وبقاؤه مستمرّاً إلاّ مع وجود الأوَّل.

 إنَّ العليّة والمعلوليَّة من أبده البديهيات لدى الإنسان بحيث لا يشك فيها أحدٌ أصلاً، ويعتقد بها الإنسان منذ نشوئه وطفولته، حيث يدرك الطفل حالاته النفسيَّة ويعلم أنَّها صدرت منه، مثل العطش والجوع فيدركهما ويطلب ما يرفعهما من الماء والغذاء، ثمَّ ينتقل إلى عالم العين والخارج فيدرك العلاقات المتواجدة بين الأشياء كالنار والإحراق، ومن ثمَّ كلمّا أدرك أحدهما سوف يدرك الآخر بالضرورة.

لأنَّه توجد علاقة اللزوم والارتباط الأكيد بين وجود العلَّة ووجود المعلول، حيث لا يمكن أن ينفكّا أصلاً، فلا انفصال بينهما، وليس وجود المعلول إلا مظهراً من مظاهر وجود العلَّة ومجلىً منه، فالارتباط الموجود بين وجوديهما هو ارتباط الظاهر والمظهر، أو المتجلِّي والجلوة، وهذا هو أبرز وأوضح أقسام الظهور.

ومن خصوصيّات التجلِّي و الظهور أنَّه ليس بين المعلول والعلَّة تقدُّم وتأخُّر زماني أصلاً، بل التقدُّم والتأخُّر بينهما هو من حيث الرتبة، فرتبة العلَّة مقدَّمة على رتبة المعلول فعندما تقول: فتحت الباب فانفتح، فالفتح والانفتاح قد تحقَّقا في زمان واحد إلاّ أنَّ أحدهما يكون علَّة للآخر و الآخر معلولاً، ولهذا لا يمكن أن تقول: انفتح الباب ففتحته.

وعلى ضوء هذه النقطة، نعرف السر في قولهم أنَّ هناك انسجاماً و تسانخاً بين العلَّة والمعلول.

المقدمة الثانية : الواجب والممكن والممتنع :

 كلُّ مفهوم قد فرض في الذهن إمّا أن يكون الوجود ضرورياً لازماً له أو لا يكون كذلك، فإن لم يكن الوجود ضروريّاً له، فإمّا أن يكون العدم ضروريَاً له أو لا يكون كذلك، وبذلك تتحقَّق أقسامٌ ثلاثة هي:

1- ما يكون الوجود ضروريّاً له ويُسمَّى (الواجب‏).

2- ما يكون العدم ضروريّاً له ويُسمَّى (الممتنع‏).

3- ما لا يكون الوجود ضروريّاً له ولا العدم (مسلوب الضرورتين) ويُسمَّى(الممكن).

وبعد بيان هاتين المقدَّمتين نشرع في بيان البرهان وتقريره.

تقريـر البرهـان :

لا يمكن أن يتحقَّق موجودٌ إلاّ وقد ترجَّح وجوده، وترجيح الوجود إمّا أن يكون بذاته فهو واجب الوجود، وإمّا أن يكون بوجود علَّته فننقل الكلام إليه وهلَّم جرّاً. فلابد وأن ننتهي بالأخير إلى موجود يكون وجوده ضرورياً وهو المطلوب. وإلاّ سوف تستمرّ السلسلة إلى ما لا نهاية لها من الموجودات الممكنة الوجود، أو يلزم الدور، أي أن العلّة الأولى سوف يتوقَّف وجودها على المعلول الأخير (أي لا علَّة ولا معلول في البين).

وفي كلا الصورتين سوف نتورَّط في مشكلة اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، لأنَّ  التسلسل والدور كلاهما يؤولان إلى اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما.

الـدّور :

أما الدور، فالصريح منه و المضمر كلاهما يؤولان إلى اجتماع النقيضين.

الدور الصريح (بلا واسطة) :

 وهو فيما لو توقَّف وجود المعلول على وجود العلَّة، ونفس تلك العلة توقَّف وجودها على وجود المعلول.

فمثلاً: ألف (علة) لباء فتكون باء (معلول) لألف، وفي نفس الوقت تكون ألف معلولاً لباء.

الدور المُضمَر (مع الواسطة) :

وهو فيما لو توقّف المعلول على العلَّة، وحيث كانت تلك العلَّة معلولةً فتوقفت على علِّة أخرى وهكذا .. إلى أن ينتهى الأمر برجوع العلَّة الأخيرة إلى المعلول الأوَّل، فصار المعلول الأوَّل علةً للعلة الأخيرة، أي علَّة لعلَّةِ نفسها.

مثال: ألف(علة) ب(معلول) ج(معلول)<<<<<<< ب(علَّة) ج(علة) >>>>>>ألف(معلول)

بطـلان الدّور :

رجوع الدور إلى اجتماع النقيضين أو ارتفاعهما، وذلك:

حيث يلزم أن تكون العلَّة معلولاً في آنٍ واحد. فـ(الألف) في المثالين علّة ومعلول، أي علَّة وليست بعلَّة، فهو متقدِّم (لأنَّه علَّة) وليس بمتقدِّم (لأنَّه معلول)، (وهذا هو اجتماع النقيضين المحال‏). أو هو ليس بعلَّة ولا (لا علَّة) أي هو معلول، فليس متقدِّم ولا (لا متقدِّم) أي متأخِّر (وهذا هو ارتفاع النقيضين المحال‏).

التسلسل :

هو أن تتسلسل العلل إلى ما لا نهاية لها، بحيث تكون كلُّ علَّة هي في نفس الوقت معلولاً.

بطـلان التّسـلسـل :

وأمّا لإثبات بطلان التسلسل فقد ذكروا طرقاً مختلفة، نشير إلى طريقتين:

الطريقة الأولى: لو فصلنا حلقاتٍ من السلسلة ثم قايَسناها مع السلسلة الأولى (الكاملة) فهل الناقصة تساوي الكاملة ؟

فإن كانتا متساويتين، فسوف تكون الناقصة ليست بناقصة والكاملة ليست بكاملة (وهذا هو التناقض المحال).

 وأمّا:  لو قلنا بأنَّهما حينئذٍ غير متساويتين فسوف يتحقَّق المطلوب وهو أنّ السلسلة من أوَّل الأمر كانت محدودة، ولم تكن مستمرَّة إلى مالا نهاية لها، وهذا يعني أنَّ العلَّة الأخيرة لم تكن معلولة لعلَّة أخرى بل هي علَّة العلل وهو واجب الوجود.

الطريقة الثانية: إنَّ وجود المعلول على أيٍّ مشروط بوجود العلَّة، فلو استمرَّت المشروطية والربط بتسلسل العلل والمعلولات سوف لن يتواجد حتَّى شيءٍ واحدٍ أصلاً، وذلك لأنَّ الرابط يفتقر في وجوده إلى غير الرابط، وهنا نقول أنَّ وجود الأشياء وتحقُّقها عيناً دليلٌ على عدم الاشتراط في واحدةٍ من تلك العلل، وهو علَّة العلل، أعني الحق تعالى شأنه.

وقد تطرق إلى هذا الأمر الإمام الخميني قدس سرُّه في كتابه القيِّم الطلب والإرادة قال:

"إنه لو فرض سلسلة غير متناهية في الوجود يكون كل فرد فيها فقيرا ممكنا، لنا أن نحيط بعقلنا على السلسة إجمالا فنقول:السلسة الغير المتناهية من الفقراء لا يمكن أن تدخل ولا فرد منها في الوجود إلا بإفاضة غني بالذات، وإلا فالفقير الفاقد للشيء لا يمكن أن يكون معطيا ومغنيا، فكل موجود دل على الغني بالذات، فتل فقر الفقير لا يمكن إلا بالغني"(الطلب والإرادة ص99)


الدرس الثامن : إثبـات الصّـانع
البرهان الثاني: برهان النّظْـم

 

ما هـو النَّظْـم :

"هو التنسيق الكامل بين أجزاء الشيء من ناحية الكم والكيف والإضافة وسائر الجهات".

فلو اختل واحد من هذه الأمور اختل النظم.

 برهان النظم يعتمد على ركيزتين :

 الأولى: أنَّ العالم مُنظَّمٌ .

 الثاني: أنَّ كلَّ شيءٍ مُنَظَّم يفتقر إلى من يُنَظِّمه.

 النتيجة: العالم يحتاج إلى من ينظمه.

إن القرآن الكريم قد صرح بهذا البرهان بمقدمتيه.. واعتمد عليه كثيراً، ومن الطبيعي أن هذه الآيات ترشدنا إلى واقع خارجي وقاعدة عقليه فهي إرشادية لا تعبدية.

وإليك نبذة من تلك الآيات المباركة :

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}(البقرة/164).

{وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنْ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}(الأنعام/99).

أقـول :

والمتأمُّل في الآيات المباركة يري أن جميعَها بصدد إثبات المقدمةِ الأولى من البرهان، أعني إثبات نظم العالم وذلك بذكر أمثلة بارزة ونماذج ملموسة من النظم الكوني، ولكن لو زاد في تأمله وتدبُّره لعرف أن المقدمة الثانية وبالضرورة النتيجة قد بيِّنت فيها أيضاً ولكن لا بصراحة القول بل بالإشارة والتلويح وذلك من خلال ذيل نفس الآيات حيث تقول:(لآيات لقوم يعقلون، لآيات لقوم يؤمنون....)  فالآية تعنى العلامة التكوينية التي تدل على ذي العلامة كما ورد في كتاب مفردات الراغب الأصفهاني :

 (والآية هي العلامة الظاهرة وحقيقته لكل شئ ظاهر هو ملازم لشيء لا يظهر ظهوره. فمتى أدرك مدركٌ الظاهرَ منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم يدركه بذاته إذ كان حكمهما سواء وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم للطريق والمنهج ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئا مصنوعا علم أنه لابد له من صانع).

والحاصل :

أنَّ ذيل الآيات أعني (لقوم يعقلون، يؤمنون)هي المقدَّمة الثانية للدليل أي يعقلون، أنَّ الآية تدل على ذي الآية(الكبرى) بعينه (كل آية تتطلب ذي الآية وهو نفس كل منظم يحتاج إلى ناظم) على أنَّ التعبير بالآية تعبير أدق، حيث الاتحاد المتواجد بين الآية وذيها.

 

 


الدرس التاسع : إثبات الصانع: تكملة برهان النَّظـم

شـبهات و حـلول

ولكـن : لا يكفي هذا المقدار من البيان، بل ينبغي الذبّ عن جميع الشبهات والملاحظات الواردة على المقدَّمتين (الكبرى والصغرى)، لأنَّه رُبَّ من يقع في الحيرة عندما يواجه الشبهات -رغم كونها واهية- فيتزلزل في عقيدته، لذلك سوف نتعرَّض إلى بعض الشبهات الواردة في هذا المجال والإجابة عليها:

يقـولون :

 لو كان الكون مبنيّاً على النظم والترتيب المتقن، فلماذا نشاهد المظاهر الكثيرة والمتنوِّعة من الشرور؟ كالحوادث المؤلمة والأمراض والحوادث الغربية والخطيرة المهلكة والزلازل والسيول والحيوانات المؤذية والآلام والاختلافات والحروب والتضاد بين الموجودات(هذا الإشكال يرجع إلى المقدَّمة الأولى للدليل (الصغرى)).

 الجـواب :

إنَّ حلّ هذه الشبهة تفصيلاً سوف يأتي في مبحث العدل إن شاء الله تعالى، ولكن سنتطرَّق إلى بعض الأجوبة بنحو مختصر، فنقول في الجواب:

أوَّلاً : إنَّ الشرور جميعها أمور عدميَّة وليست وجوديَّة فلا تفتقر إلى الموجد، بل هي دون الإيجاد والجعل، ولو تعمقنا فيها لعلمنا بأنّها لم تنشأ إلاّ في هذه الطبيعة المظلمة. قال الإمام الخميني قدِّس سرُّه:

(والشرور التي في دار الطبيعة المظلمة من تصادمات الماديات وضيق عالم الطبيعة وكلها ترجع إلى عدم وجود أو عدم كماله(أي كمال الوجود)، والأعدام مطلقا غير متعلقة للجعل بل المضافة منها من لوازم المجعول وتضايق دار البوار وتصادم المسجونين في سجن الطبيعة وسلاسل الزمان فكلها ترجع إلى الممكن(ما شرحناه في برهان الإمكان والوجوب))(الطلب والإرادة). 

ويفصِّل الإمام هذا الأمر في كتابه الأربعون حديثاً فيقول:

(إنَّ جميع الشرور والاخترام -الموت المبكر- والهلاك والأمراض والحوادث الغريبة والمهلكة والحيوانات المؤذية وغير ذلك من المصائب والآلام الموجودة في هذا العالم المادي الطبيعي، وفي هذه الهاوية الضيقة المظلمة، ينشأ من التضاد والاصطدام الحاصل بين الموجودات، هذا التضاد الذي لم يكن نتيجة الجهة الوجودية للموجودات بل يحصل من جراء النقص في هذه النشأة وضيق المحل والمقر للموجودات، ويعود ذلك إلى الحدود والنقائص الخارجة عن إطار نور الجعل بل تكون في الحقيقة دون الجعل)(الأربعون حديثاً، الحديث39،ص688).

ثانياً: إنَّ هذه الأمور لا تخلُّ بنظم العالم، بل لولاها لما ظهر النظام الكوني الدقيق. فهي كالنقطة السوداء على الوجه الجميل، لولاها لما ظهر جمال الجميل، والذي يضفي الجمال هو موضع هذه النقطة السوداء، فوجودها على الأنف أو الجبهة لا يكون لها الأثر الإيجابي بل يشوّه الإنسان، أمّا لو كانت على الخدِّ فحينئذ يكون لهذا السواد التأثير الكبير في بروز الجمال وظهوره للناظرين.

ونفس الكلام يجرى في ما نحن فيه، فالحوادث كلها ليست هي إلا كتلك النقطة، لولاها لم يبرز جمال هذا العالم.

على أنَّ الإنسان لو رأى مثلاً منظراً جميلاً قد رسمه رسام ماهر وقد عرض في معرض الرسم، ولكن شوهد فيه نقاط مبهمة غير واضحة ولم يعرف معناها، فهل من الصحيح أن يحكم على هذه اللوحة بأجمعها بأنَّها غير جميلة أصلاً ؟! أم أنَّ الإنصاف في القول هو أنَّها في قمَّة الجمال وتلك النقوش الغامضة هي دليل على جمالها، ولكن يتهمَّ نفسه بأنَّه لم يصل إلى مدى عمق الجمال الموجود فيها.

ومن الواضح أنَّ القول الثاني هو الصحيح، لأنَّه مادام اللوحة قد صدرت من رسّام ذي لوحات أخرى جميلة، فيجب أن ينظر إليها كغيرها من اللوحات، بل أفضل من غيرها.

ونفس الأمر يجري في عالم التكوين، فهو عالمٌ قد ظهر فيه أعلى مستوى من الجمال والحسن والقدرة لا نظير لها، فوجود تلك الآفات الظاهرية إن دلَّ على شيء، فإنَّه يدلُّ على الأسرار الكامنة في العالم.

وأخـيراً نقول :

ينبغي أن لا نجعل جميع تلك الأمور المذكورة في تلك الشبهة على مستوى واحد، بل كلُّ قسمٍ منها يتطلَّب جواباً خاصاً به، فالحروب والاختلافات مثلاً راجعة إلى البشر أنفسهم لا إلى الله، إلا إذا كانت بين الحق والباطل، وفيها يقول سبحانه بصريح الكلمة:

{كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}(البقرة/216).

وتفصيلها في مبحث العدل  إن شاء الله تعالى.

الصُّـدفة :

وهناك إشكال آخر وهو مسألة الصدفة التِّي تتداولها ألسن البعض. وهذا التوهُّم قد أوردوه على المقدَّمة الثانية (الكبرى) خاصَّة وقالوا بأنّ الشيء ربَّما يكون منظَّماً ولا يفتقر إلى من ينظِّمه أصلاً، وقد برَّروا ذلك بالصدفة بحجَّة أنَّ هناك الكثير من الحوادث تنشأ صدفةً من غير علَّة وسبب كما هو واضح، فالبناء ينهدم صدفةً والرجل يمرض صدفةً والعاصفة تهبُّ صدفة...

أقـول :

إنَّ هذه الشبهة تشتمل على مغالطة واضحة فلا مناسبة بين المقدَّمات والنتيجة أصلاً، لأنَّ النتيجة التِّي يرتِّبها هؤلاء على تلك المقدَّمات هي:

إنكار العلِّية من رأس بمعنى وجود الممكن من غير علَّة، وهذا محال عقلاً كما مرَّ.

وأمَّا الأمثلة فلا علاقة بالصدفة إلاّ في اللفظ فقط لأنَّه لم يتحقَّق الانهدام إلا بعد تحقق علته، وكذلك المرض والعاصفة، غاية ما هناك أنَّ العلَّة ربَّما تكون معلومة وربَّما تكون مجهولة، ففي تلك الأمثلة تكون العلَّة مجهولة لنا وإن كانت معلومة لغيرنا.

والحاصل: إنَّ إنكار العلِّية ينتج منه نتائجَ خطيرة، وأوَّل من يتورَّط فيها هو المُستشكل نفسُه حيث يبتلي باجتماع النقيضين المحال، ففكرة  الصدفة هي فكرة موهومة لا واقع لها وراء أصلاً.

الصدفة وحساب الاحتمالات:

لو أردنا أن نعرف حقيقة الصدفة ينبغي أن نقيِّمها من خلال حساب الاحتمالات، فإنَّه مهما صار النظام أدَّق صار احتمال الصدفة أقل إلى أن يصل إلى مستوى  الصفر، وعليه فالصدفة التي تعنى نفي العليَّة من مستحيل عقلاً.

توضيحاً لذلك نذكر مثالاً :

لو كان لدينا كتاب علمي مشتمل على مائة ورقة مرقَّمة وطلبنا من رجلٍ أعمى أن يصفَّه حسب الترتيب، فلو وضع ورقة واحدة بعنوان أنَّها الرقم (1) فاحتمال كونها كذلك هـو 1%، ولو أخذ ورقة ثانية بعنوان أنَّها الرقم (2) فالاحتمال يتضاعف ويصير 1-9900 واحتمال كون الأولى (1) والثانية (2) 1-10000، ولو أخذ ورقة ثالثة بعنوان أنَّها الرقم (3) فالاحتمال يتضاعف ويصير 1-970200 وكون الأولى والثانية والثالثة مترتِّب 1-1000000 واحتمال ترتيب الأعداد من (1) إلى (10) يساوي العدد واحد وفي يمينه 18 صفراً.

وهذا الاحتمال قد بلغ إلى مستوى من الضعف بحيث لو تصورنا وقوف أشخاص بالترتيب خلف بعض لبلغ طولهم بحيث يطوفون حول الكرة الأرضية على خط الاستواء 54 مرة.

مميزات برهان النَّظم :

إنَّ هذا البرهان يتميَّز بأمرين رئيسيين :

1- أنَّه أسلوب يتمكن الإنسان  أن يدركه ويستوعبه مهما كان مستواه العلمي.

2- إنَّ هذا البرهان لا يثبت الله كخالق فحسب بل يعرِّف إلهاً متَّصفاً بجميع الصفات الجمالية والجلالية من العلم والقدرة و الإرادة والحكمة والعظمة والكبرياء وما إلى ذلك من الصفات، وذلك لأنَّ الإنسان يشاهد مظاهر كلِّ تلك الصفات في الطبيعة ومن خلالها يتعرَّف على الله سبحانه بصفاته وأسمائه.

الدرس العاشر : برهـان الصِّـديقين
- الحلقة الأولى -

 

الفرق المهم بين هذا البرهان وسائر البراهين هو أنَّه يُثبت الحق المطلق من غير توسط شيءٍ آخر ومن غير الاستفادة من مقدَّمات، فجميع البراهين المثبتة لله تعالى متوقِّفة على الواسطة التي هي عالم المخلوقات، ففيها نوع انتقال من الشاهد إلى الغائب ومن الظاهر إلى الباطن، فلسائل أن يسأل :

هل من الضروري لمعرفة الخالق أن نتوسَّل بالمخلوق؟

أم أنَّه لا ضرورة في ذلك بل هذا النوع من الاستدلال يختص بمن لا يمتلك بصيرة كاملة ولا يتحلَّى برشدٍ عقلي؟

أقـول :

إن هناك باباً واسعاً في معارفنا الإسلاميَّة يؤكِّد على أنَّ الله هو الظاهر وهو الباطن، قال تعالى :

{هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(الحديد/3).

وقال تعالى :

{اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْ