العودة إلى صفحة الحوزة

                 

نبذة عن الحوزة العلمية    

نبذة عن حوزة الكوثر

بناء الشخصية

شهادة الاجتهاد

مراحل التدريس

منهجية التدريس

أسباب الانتقال

عصر النشوء


بسم الله الرحمن الرحيم


أسـباب الانتقـال

   

أسباب انتقالها إلى بغداد :

بعد العصر الثالث انتقلت المدرسة من قم والري إلى بغداد حاضرة العالم الإسلامي عامة وكان لهذا الانتقال أسباب عديدة منها:

1- ظهور شخصيات فقهية من بيوتات كبيرة كالشيخ المفيد والسيد المرتضى، فقد كان هؤلاء يستقلون مكانة بيوتهم الاجتماعية ومكانتهم السياسية في نشر (الفقه الشيعي) وتطوير (دراسة الفقه).

2- توسع المدرسة وتضخمها في ذلك الوقت وقد كانت البيئة الجديدة صالحة لتقبل هذه المدرسة وتطويرها وخدمتها. فهي مركز ثقافي كبير من مراكز الحركة العلمية في العالم الإسلامي، حيث كان يسكنها من الفقهاء والمحدثين.

ورغم كثرة مدارس البحث الفقهي في بغداد في ذلك الحين فقد كانت مدرسة أهل البيت أوسعها وأضخمها وأعمقها جذوراً وأصولاً، وأكثرها تأصلاً واستعداداً وأقومها في الاستدلال والاحتجاج.

وكل ذلك كان يبعث طلاب الفقه على الالتفاف حول هذه المدرسة أكثر من غيرها. فقد كان يحضر درس الشيخ الطوسي حوالي ثلاثمائة مجتهد من الشيعة ومن العامة ما لا يحصى ومن المستحسن ذكر بعض أعلامها وألمع فقهاء هذه المدرسة العظيمة.

ألمع فقهاء هذه المدرسة :

1- الشيخ المفـيد : (336- 413)هـ. أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المفيد البغدادي ولد في عكبرا قرب بغداد وانتقل منها في أيام صباه إلى بغداد بصحبة والده، ونشأ في بغداد وتفرغ منذ نعومة أظفاره لطلب العلم فعرف بالفضل والنبوغ، فقد ظهر الشيخ المفيد في مدة قليلة على أقرانه وشيوخه وأساتذته -كالشيخ الصدوق وغيره-.

واشتغل الشيخ المفيد بالتدريس في بغداد وهو بعد لم يتجاوز سني الشباب وتفرغ للفلسفة والكلام، وكان يحضر درسه آلآف الطلاب من الشيعة والسنة. وبرز من تلاميذه رجال كبار أمثال: السيد المرتضى والشيخ الطوسي تابعوا أستاذهم المفيد في توسعة المدرسة وتطويرها وإدخال تغييرات جديدة عليها. وقد أحصي للشيخ المفيد قريب من مأئتي كتاب ورسالة في الفقه والكلام والحديث.

2- السيد المرتضى : (355-346)هـ. تتلمذ (المرتضى) علم الهدى وأخوه (الرضي) على يد الشيخ المفيد وعني بهما الشيخ المفيد عناية فائقة، وتفرغ المرتضى في الفقه في جانب تخصصه في الأدب حتى كان عز الدين أحمد بن فعيل يقول: (لو حلف إنسان أن السيد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لم يكُ عندي آثماً).

ولم يتوفَ أستاذه الأكبر (المفيد) حتى خلفه وتولى بنفسه مهمة التدريس وزعامة الطائفة واحتشد حوله الطلاب.

3- الشيخ الطوسي : (385- 413)هـ. ولد شيخ الطائفة في (طوس) في شهر رمضان 385هـ بعد أربع سنين من وفاة الشيخ الصدوق، وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408هـ, وهو في ثلاث وعشرين سنة وكانت زعامة المذهب الجعفري يوم ذاك لشيخ الأمة وعلم الشيعة (الشيخ المفيد) فلازمة ملازمة الظل وعكف على الاستفادة منه.

وبقي على اتصالاته بشيخه حتى اختار الله لأستاذه دار بقائه في سنة 413هـ، فانتقلت زعامة الدين ورئاسة المذهب إلى علامة تلاميذه علم الهدى (السيد المرتضى)، فانحاز شيخ الطائفة إليه ولازم الحضور تحت منبره وعنى به المرتضى وبالغ في توجيهه وتلقينه واهتم له أكثر من سائر تلاميذه، وبقى ملازماً له طيلة ثلاث وعشرين سنة حتى توفي السيد المعظم سنة 436هـ، فاشتغل شيخ الطائفة بالأمانة وظهر على منصة الزعامة.

متى بدأت النجف تاريخها كمدينة علمية :

بدأت النجف تاريخها كمدينة مقدسة منذ أن كشف لأول مرة عن قبر الإمام علي عليه السلام عام (170هـ/768م) الذي كان قد بقي غير معروف سوى لأقرب أصحابه. وأما تاريخها كمدينة علمية وكجامعة للدراسات الإسلامية في مجالات الفقه وأصول الفقه والفلسفة الإسلامية وتفسير القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وما يتصل بذلك من قضايا العقيدة الإسلامية وشؤون الفكر الإسلامي، فذلك يعود إلى التاريخ الذي هاجر إليها من بغداد الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي عام 448هـ/1056م.

وهناك من يذهب إلى أن الشيخ الطوسي لم يوجد العلم في النجف بعد أن كان معدوماً فيها, وإن كل ما أتى به لا يقتضي أكثر من أن يسجل له التاريخ أنه صاحب عهد جديد ودور خاص ازدهر العلم في عصره، كما كان في عصر عضد الدولة على حد سواء في كثرة الطلاب وقوة العلم.

ولتأييد وجهة نظره ينقل صاحب هذا الرأي ما ورد في الجزء الثامن من ص334 من الكامل لابن الأثير من أنَ دراسة العلم في النجف بدأت منذ القرن الثالث الهجري وبلغت أوج عظمتها في عهد عضد الدولة، أحد الملوك البويهيين حيث أطلق الصلات لرجال العلم والدين المقيمين في الغري وغيرهم من ذوي الفاقة إنَما تركزت هذه الدراسات بعد هجرة الشيخ الطوسي.

وهناك من يذهب إلى أبعد من ذلك حيث يرى في مدرسة النجف امتداداً لمعهد الكوفة العلمي الذي شيد أركانه الامام علي عليه السلام، وبلغ أوجه في عهد الامام الصادق عليه السلام، فلقد إعتبرت مدرسته من أبرز المدارس العلمية في الكوفة، وكان رواة الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام أربعة آلآف أو يزيدون. وكان في طليعة أولئك الذين أخذوا عن الإمام الصادق العِلمَ أبو حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس وسفيان الثوري وغيرهم.

وقد فتح الشيخ الطوسي باب التدريس على طريقة الاجتهاد المتبعة اليوم في النجف الأشرف، وهو أول من جمع من علماء النجف بين الحديث والفقه والأصول في مؤلفاته، وأول من أوجد هيئة علمية ذات حلقات ونظم خاصة تخالف ما كان عليه حال النجف قبله.

وكان لشخصية الشيخ الطوسي قوة صهرت تلامذته في واقعهم وأنستهم أو كادت تنسي شخصياتهم العلمية، فما كان أحد منهم ليجرؤ على التفكير في صحة رأي لأستاذه الطوسي أو مناقشته. حتى قيل أنَ ما خلّفه الشيخ الطوسي من كتب الفقه والحديث كاد أن يستأثر في عقول الناس فيسد عليها منافذ التفكير ما يقارب القرن، إذ مضت على علماء الإمامية سنوات متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهيّن على أحدٍ منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى وكانوا يعدون أحاديثه أصلاً مسلماً ويكتفون بها.

واستمرت الحال على ذلك حتى وصل الشيخ ابن إدريس فكان يسميهم بالمقلدة، وهو أوّل من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياتهم بالأسلوب العلمي وبالأدب الرفيع العالي حتى أنَ تعابيره لا تخلو من التعظيم عند ذكره، فلا نجد إسم الشيخ في كتاب إبن إدريس المشهور بالسرائر إلاّ ونجد إلى جنبه التعظيم والتبجيل إما بقول: هذا رأي شيخنا الطوسي رحمه الله, أو بقول: هذا ما ذهب إليه الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله, إلى غيرها من التعابير المهذبة والمؤدبة.

وحيث أن المورد العذب كثير الزحام؛ فقد أخذت تؤم النجف -منذ أن حط الشيخ الطوسي رحله فيها- أفواج كثيرة من طالبي العلم ورواد المعرفة يتزودون فيها ما يغني عقولهم وشُبعها، تفقهاً في أحكام الله ليعودوا من حيث أتوا لينشروا هذه الأحكام ويؤدوا واجبهم الشرعي في الدعوة إلى الله وليكونوا مصداقاً لقوله تعالى: {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}(التوبة/122).

وهذه الطريقة من الهجرة إلى مراكز التفقه كالنجف الأشرف وقم والقاهرة من بعض من يسكنون بعيداًَ عنها ثم العودة إلى بلادهم ليعلِّموا إخوانهم أحكام الدين بنفس الطريقة التي دأب عليها أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وبقت النجف على هذا الحال والمنوال بهذا المركز تمارس من خلاله الدور القيادي والتوجيهي للأمة، باستثناء فترات زمنية قصيرة انتقل فيها مركز الفتوى والمرجعية والتدريس إلى مدن عراقية أخرى كالحلّة وكربلاء وسامراء لظروف اقتصادية وسياسية وغيرها إلى أن عاد الاستقرار إليها.

والنجف -بعد كل ذلك- تعتبر إحدى المعاهد الشامخة للدراسات الإسلامية شأنها في ذلك شأن الأزهر في مصر والقيروان في مدينة فاس بالمغرب والزيتونة في تونس إن لم تكن هي أفضل الكل على الإطلاق.

وتعتبر فلسفة ابن سينا وتعاليمه من المواد التي انفردت النجف في تدريسها حيث بقت سائدة فيها أكثر مما بقت في المدارس الإسلامية الأخرى.