|
بسم الله الرحمن
الرحيم
عصـر
النشـوء
نبذة مختصرة عن
تاريخ الحوزة العلمية :
لعلَّ الأحاطة بالحديث عن تاريخ
ونشوء وتطور الحوزة العلمية تعّد من
الأمور العسيرة لما لها من السعة
والعمق... ولا شك في أنَّ بذور نشوء
الحوزة العلمية ابتدء من زمان
الغيبة الكبرى للإمام الحجة بن
الحسن (عجل الله تعالى فرجه الشريف)
ونعني بالنشوء أنَ المدرسة بلغت
أوجها ونضجها الخاص وكمالها المرحلي
في هذا الزمان بالخصوص إلى يومنا
هذا، ولابأس بالأشارة العابرة
المجملة عن تاريخ مدارس الفقه
الشيعي حسب توالي العصور.
تاريخ مدارس الفقه
الشيعي :
1- مدرسة
المدينة المنورة : واستمرت
الى اوساط القرن الثاني وهي مرحلة
حياة الامام الصادق (عليه السلام).
2- مدرسة
الكـوفة : ظهرت
من اوساط القرن الثاني (مرحلة حياة
الامام الصادق (عليه السلام))
واستمرت الى الربع الاول من القرن
الرابع (الغيبة الكبرى).
3- مدرسة (قم
والري) :
ظهرت من الربع الأول من القرن الرابع
واستمرت إلى النصف الأول من القرن
الخامس (أيام السيد المرتضى وشيخ
الطائفة الطوسي) أعلى الله مقامهما.
4- مدرسة
بغـداد : وظهرت
من النصف الأول للقرن الخامس إلى
احتلال بغداد من قبل المغول سنة 656هـ.
5- مدرسة
الحلّـة : وظهرت
من إحتلال بغداد، واستمرت الى حياة
الشهيد الثاني عام 965هـ.
ولكل مدرسة من هذه المدارس طريقتتها
الخاصة وأبعادها الفكرية المختصة
بها ولكن المهم هو الاتحاد في الهدف،
فالمدارس الشيعية وعلماء الشيعة
أهدافهم واحدة وإن اختلفت الآراء
والمشارب والطرق الاستدلالية.
ولعلَّ النكتة التي وجدت في الحوزة
العلمية مفقودة في غيرها من المدارس
والأماكن التي يرتادها طلبة العلم
من المسلمين.فقد يدرس الإنسان في
الجامعات والمعاهد وغيرهما لكنه لا
يجد الطبيعة التي درجت عليها الحوزة
العلمية، أي روح البحث والنقاش
للوصول إلى الحقيقة التي هي الهدف
الأسمى لكل إنسان.
والذي يهمنا في البحث هنا عن المدارس
ليس هو الزمن الأول ولا الثاني (أي
مدرسة المدينة المنورة ومدرسة
الكوفة) لأنهما في مرأى ومسمع من
المعصوم عليه السلام, ولكن الذي
يهمنا في البحث عن تاريخ الحوزة
العلمية وتطورها هو ما كان بعد غياب
المعصوم عن مرأى ومسمع عامة الناس
خارجاً وإن كان موجوداً حقيقة، وهذا
يتضح من خلال ما نذكره في العصر
الثالث.
العصرالثالث: مدرسة
قم والري :
يبتدء هذا العصر من الغيبة الكبرى
سنة 329هـ. ق، والربع الأول من القرن
الرابع إلى النصف الأول من القرن
الخامس.
في هذه الفترة انتقلت حركة التدريس
والكتابة والبحث إلى مدينتّي (قم
والري) -بعد الكوفة لهجرة الكثير
من العلماء إليها نتيجة الظلم
والتعسف الذي مارسه العباسيون عليهم-
كان لهما أكبر الأثر في تطوير (الفقه
الشيعي) فقد كانت (قم) منذ أيام
الائمة عليهم السلام بلدة شيعية
ومدينة من أمهات المدن الشيعية
وموضع عناية خاصة من أهل البيت عليهم
السلام. وقد كانت (الري) في هذا
التاريخ بلدة عامرة بالمدراس
والمكاتب وحافلة بالعلماء والفقهاء
والمحدثين.
وقد كان أحد أسباب إنتقال مدرسة أهل
البيت عليهم السلام من العراق إلى
ايران هو الضغط الشديد الذي كان
يلاقيه فقهاء الشيعة وعلماؤهم من
العباسيين، فقد كانوا يطاردون من
يظهر التشيع بمختلف ألوان الأذى
والتهمة فالتجأ فقهاء الشيعة
وعلماؤهم إلى (قم) و(الري)
ووجدوا في هاتين البلدتين ركناًَ
آمناً يطمئنون إليه في نشر فقه أهل
البيت عليهم السلام وحديثهم.
"قـم" مركز
البحث الفقهي :
ويظهر أن قم آوان عصر الغيبة وعهد
نيابة النواب الأربعة كانت حافلة
بعلماء (الشيعة) وفقهائها ومركزاً
فقهياً كبيراً من مراكز البحث
الفقهي. وقد بلغ النشاط الفكري في
التأليف والبحث الفقهي وتدوين
الأحاديث وجمعها وتنسيقها غايته في
هذه الفترة، فقد خلفت لنا هذه الفترة
ثروة فكرية صحيحة وضخمة من أهم ما
أنتجته مدارس الفقه والحديث الشيعي
في تاريخها.
ولكي يلمس القاريء حدود هذه المدرسة
وضخامتها نشير إلى أسماء بعض
الفقهاء والمحدثين اللامعين من هذه
المدرسة، من الذين عاشوا خلال هذه
الفترة.
1- علي بن
إبراهيم : وعلي
بن ابراهيم القمي شيخ الكليني في
الحديث كان ثقةً في الحديث ثبتاً
معتمداً صحيح المذهب، سمع فأكثر
وصنف كتباً، له قرب الأسناد وكتاب
الشرائع وغيره.
2- الكليني : وهو
محمد بن يعقوب، كان معاصراً لعلي بن
الحسين بن بابويه والده الشيخ
الصدوق، وتوفيا في سنة واحدة وهي
المعروفة عند الفقهاء بـ(سنة موت
الفقهاء) وهي سنة 329هـ. ق، وأكبر أثر
تركه الكليني من بعده هو موسوعته
الحديثية الكبرى (الكافي) في الأصول
والفروع، وكان تأليف الكافي أول
محاولة لجمع الحديث وتبويبه وتنظيم
أبواب الفقه والأصول.
ملامح هذه المدرسة :
وأولى هذه الملامح وأهمها التوسعة في
تدوين الحديث وجمعه.
ومن أهم ذلك الموسوعتين الحديثيتين
اللتين خلفتها هذه المدرسة وهما (الكافي) و(من
لا يحضره الفقيه).
ومع ذلك فقد كان البحث الفقهي في هذه
الفترة يقضي مراحل نموه الأولية ولم
يقدَر له بعد أن يبلغ حد المراهقة،
فكانت الرسائل الفقهية في هذه
المدرسة لا تتجاوز عرض الأحاديث من
غير تعرض للمناقشة والاحتجاج وتقرر
لآراء بحثها وتفريع فروع جديدة
عليها.
|