دروس في علم الأصول

الحلقة الأوَّلى

التمهيد

 [ 33 ]

 مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين . وبعد فإن هذه هي الحلقة الأوَّلى من دروس في علم الأصول وضعناها للمبتدئين بدراسة هذا العلم وتتبعها حلقتان أخريان إن شاء الله تعالى ويتكامل من خلال الحلقات الثلاث إعداد الطالب للدراسة العليا وحضور أبحاث الخارج وقد شرحنا في مقدمة هذه الحلقة ما يتعلق بهذه الحلقات الثلاث ومنهجها وطريقة تدريسها إن شاء الله تعالى ومن الله سبحانه نستمد العون والتوفيق .

 النجف الأشرف محمد باقر الصدر جمادي الأولى 1397 ه .

 [ 35 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

التعريف بعلم الأصول

كلمة تمهيدية

بعد أن آمن الإنسان بالله و الإسلام والشريعة وعرف أنه مسؤول بحكم كونه عبداً لله تعالى عن امتثال أحكامه يصبح ملزما بالتوفيق بين سلوكه في مختلف مجالات الحياة والشريعة الإسلامية وباتخاذ الموقف العملي الذي تفرضه عليه تبعيته للشريعة ولأجل هذا كان لزاما على الإنسان أن يعين هذا الموقف العملي ويعرف كيف يتصرف في كل واقعة . ولو كانت أحكام الشريعة في كل الوقائع واضحة وضوحا بديهيا للجميع لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كل واقعة أمرا ميسورا لكل أحد ولما إحتاج إلى بحث علمي ودراسة واسعة ولكن عوامل عديدة منها بعدنا الزمني عن عصر التشريع أدت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة و إكتنافها بالغموض . وعلى هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كل واقعة بإقامة الدليل على تعيينه . وهكذا كان فقد أنشى علم الفقه للقيام بهذه المهمة فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا إستدلاليا والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كل حدث من أحداث [ 36 ] الحياة وهذا ما نطلق عليه إسم عملية إستنباط الحكم الشرعي . و لأجل هذا يمكن القول بأن علم الفقه هو : علم إستنباط الأحكام الشرعية أو علم عملية الإستنباط بتعبير آخر . وتحديد الموقف العملي بدليل يتم في علم الفقه بأسلوبين : أحدهما : تحديده بتعيين الحكم الشرعي . والآخر : تحديد الوظيفة العملية تجاه الحكم المشكوك بعد إستحكام الشك وتعذر تعيينه . والأدلة التي تستعمل في الأسلوب الأوَّل نسميها بالأدلة أو الأدلة المحرزة إذ يحرز بها الحكم الشرعي والأدلة التي تستعمل في الأسلوب الثاني تسمى بالأدلة العمليه أو الأصول العملية . وفي كلا الأسلوبين يمارس الفقيه في علم الفقه إستنباط الحكم الشرعي أي يحدد الموقف العملي تجاهه بالدليل . وعمليات الإستنباط التي يشتمل عليها علم الفقه بالرغم من تعددها وتنوعها تشترك في عناصر موحدة وقواعد عامة تدخل فيها على تعددها وتنوعها وقد تطلبت هذه العناصر المشتركه في عملية الإستنباط وضع علم خاص بها لدراستها وتحديدها وتهيئتها لعلم الفقه فكان علم الأصول . تعريف علم الأصول وعلى هذا الأساس نرى أن يعرف علم الأصول بأنه “ العلم بالعناصر المشتركة في عملية إستنباط الحكم الشرعي “ . ولكي نستوعب هذا التعريف يجب أن نعرف ما هي العناصر المشتركة في عملية الإستنباط . ولنذكر - لأجل ذلك - نماذج بدائية من هذه العمليه في صيغ مختصرة [ 37 ] لكي نصل عن طريق دراسة هذه النماذج والمقارنة بينها إلى فكرة العناصر المشتركة في عملية الإستنباط . إفرضوا أن فقيها واجه هذه الأسئلة : - هل يحرم على الصائم أن يرتمس في الماء - هل يجب على الشخص إذا ورث مالا من أبيه أن يؤدي خمسه 1 - هل تبطل الصلاة بالقهقهة في أثنائها 2 فإذا أراد الفقيه أن يجيب على هذه الأسئلة فإنه سوف يجيب على السؤال 3 الأوَّل مثلا بالايجاب وانه يحرم الارتماس على الصائم ويستنبط ذلك بالطريقة التالية : قد دلت رواية يعقوب بن شعيب عن الإمام الصادق ( عليه السلام ) على حرمة الارتماس على الصائم فقد جاء فيها أنه قال : لا يرتمس المحرم في الماء ولا الصائم . والجملة بهذا التركيب تدل في العرف العام على الحرمة وراوي النص يعقوب ين شعيب ثقة والثقة وإن كان قد يخطى أو يشذ أحيانا ولكن الشارع أمرنا بعدم إتهام الثقة بالخطإ أو الكذب وإعتبره حجة والنتيجة هي أن الارتماس حرام . ويجيب الفقيه على السؤال الثاني بالنفي لأن رواية علي بن مهزيار جاءت في مقام تحديد الأموال التي يجب فيها الخمس وورد فيها أن الخمس ثابت في الميراث الذي لا يحتسب من غير أب ولا ابن والعرف العام يفهم من هذه الجملة أن الشارع لم يجعل خمسا على الميراث الذي ينتقل من الأب إلى ابنه والراوي ثقة وخبر الثقة حجه والنتيجه هي أن الخمس في تركة الأب غير واجب . ويجيب الفقيه على السؤال الثالث بالايجاب بدليل رواية زرارة عن الإمام الصادق أنه قال : “ القهقهة لا تنقض الوضوء وتنقض الصلاة “ والعرف العام [ 38 ] يفهم من النقض أن الصلاة تبطل بها وزرارة ثقة وخبر الثقة حجة فالصلاة مع القهقهة باطلة إذن . وبملاحظة هذه المواقف الفقهية الثلاثة نجد أن الأحكام التي إستنبطها الفقيه كانت من أبواب شتى من الفقه وأن الأدلة التي إستند إليها الفقيه مختلفة فبالنسبة إلى الحكم الأوَّل إستند إلى رواية يعقوب بن شعيب وبالنسبة إلى الحكم الثاني إستند إلى رواية علي إبن مهزيار وبالنسبة إلى الحكم الثالث استند إلى رواية زرارة ولكل من الروايات الثلاث متنها وتركيبها اللفظي الخاص الذي يجب أن يدرس بدقة ويحدد معناه ولكن توجد في مقابل هذا التنوع وهذه والاختلافات بين المواقف الثلاثة عناصر مشتركة أدخلها الفقيه في عمليه الإستنباط في المواقف الثلاثة جميعا . فمن تلك العناصر المشتركة الرجوع إلى العرف العام في فهم الكلام الصادر عن المعصوم وهو ما يعبر عنه بحجية الظهور العرفي فحجية الظهور إذن عنصر مشترك في عمليات الإستنباط الثلاث وكذلك يوجد عنصر مشترك آخر وهو حجية خبر الثقة . وهكذا نستنتج أن عمليات الإستنباط تشتمل على عناصر مشتركة كما تشتمل على عناصر خاصة ونعني بالعناصر الخاصة تلك العناصر التي تتغير من مسألة إلى أخرى فرواية يعقوب إبن شعيب عنصر خاص في عملية إستنباط حرمة الارتماس لأنها لم تدخل في عمليات الإستنباط الأخرى بل دخلت بدلا عنها عناصر خاصة أخرى كرواية علي بن مهزيار ورواية زرارة . ونعني بالعناصر المشتركة القواعد العامة التي تدخل في عمليات إستنباط أحكام عديدة في أبواب مختلفة . وفي علم الأصول تدرس العناصر المشتركة وفي علم الفقه تدرس العناصر الخاصة في كل مسألة . وهكذا يترك للفقيه في كل مسألة أن يفحص بدقة الروايات والمدارك [ 39 ] الخاصة التي ترتبط بتلك المسألة ويدرس قيمة تلك الروايات ويحاول فهم ألفاظها وظهورها العرفي وأسانيدها بينما يتناول الأصولي البحث عن حجية الظهور وحجية الخبر وهكذا . وعلم الأصول لا يحدد العناصر المشتركة فحسب بل يحدد أيضا درجات إستعمالها والعلاقة بينها كما سنرى في البحوث المقبلة إن شاء الله تعالى . موضوع علم الأصول لكل علم - عادة - موضوع أساسي ترتكز جميع بحوثه عليه وتدور حوله وتستهدف الكشف عما يرتبط بذلك الموضوع من خصائص وحالات وقوانين فالفيزياء مثلا موضوعها الطبيعة وبحوث الفيرياء ترتبط كلها بالطبيعة وتحاول الكشف عن حالاتها وقوانينها العامة . والنحو موضوعه الكلمة لأنه يبحث عن حالات إعرابها وبنائها رفعها ونصبها . فما هو موضوع علم الأصول الذي تدور حوله بحوثه . ونحن إذا لاحظنا التعريف الذي قدمناه لعلم الأصول إستطعنا أن نعرف أن علم الأصول يدرس في الحقيقة الأدلة المشتركة في علم الفقه لاثبات دليلتها وبهذا صح القول بأن موضوع علم الأصول هو الأدلة المشتركة في عملية إستنباط الأدلة . علم الأصول منطق الفقه ولا بد أن معلوماتكم عن علم المنطق تسمح لنا أن نستخدمه كمثال لعلم الأصول فإن علم المنطق كما تعلمون يدرس في الحقيقة عملية التفكير مهما كان مجالها وحقلها العلمي ويحدد النظام الذي يجب أن تتعبه لكي يكون التفكير سليما مثلا يعلمنا علم المنطق كيف يجب أن ننهج في الاستدلال [ 40 ] بوصفه عملية تفكير لكي يكون الاستدلال صحيحا كيف نستدل على أن سقراط فان وكيف نستدل على أن نار الموقد الموضوع أمامي محرقة وكيف نستدل على أن مجموع زوايا المثلث تساوي قائمتين وكيف نستدل على أن الخط الممتد بدون نهاية مستحيل كل هذا يجيب عليه علم المنطق بوضع المناهج العامة للاستدلال كالقياس والاستقراء فهو إذن علم لعملية التفكير إطلاقا . و وعلم الأصول يشابه علم المنطق من هذه الناحية غير أنه يبحث عن نوع خاص من عملية التفكير أي عن عملية التفكير الفقهي في إستنباط الأحكام ويدرس العناصر المشتركة التي يجب أن تدخل فيها لكي يكون الإستنباط سليما فهو يعلمنا كيف نستنبط الحكم بحرمة الارتماس على الصائم وكيف نستنبط إعتصام ماء الكر وكيف نستنبط الحكم بإستحباب صلاة العيد أو وجوبها وذلك بوضع المناهج العامة وتحديد العناصر المشتركة لعملية الإستنباط . وعلى هذا الأساس يصح أن يطلق على علم الأصول إسم منطق علم الفقه لأنه بالنسبة إليه بمثابة المنطق بالنسبة إلى الفكر البشري بصورة عامة . أهمية علم الأصول في عملية الإستنباط ولسنا بعد ذلك بحاجة إلى التأكيد على أهمية علم الأصول وخطورة دوره في عالم الإستنباط لأنه ما دام يقدم لعملية الإستنباط عناصرها المشتركة ويضع لها نظامها العام فهو عصب الحياة فيها وبدون علم الأصول يواجه الشخص في الفقه ركاما متناثرا من النصوص والأدلة دون أن يستطيع إستخدامها والاستفادة منها في الإستنباط كإنسان يواجه أدوات النجارة ويعطى منشارا وفأسا وما إليها من أدوات دون أن يملك أفكارا عامة عن [ 41 ] عملية النجارة وطريقة إستخدام تلك الادوات . وكما أن العناصر المشتركة ضرورية لعملية الإستنباط فكذلك العناصر الخاصة التي تختلف من مسألة إلى أخرى كمفردات الآيات والروايات المتناثرة فإنها الجزء الضروري الآخر فيها فلا يكفي مجرد الإطلاع على العناصر المشتركة التي يمثلها علم الأصول ومن يحاول الإستنباط على أساس الإطلاع الأصولي فحسب نظير من يملك معلومات نظرية عامة عن عملية النجارة ولا يوجد لديه فأس ولا منشار وما إليهما من أدوات النجارة فكما يعجز هذا عن صنع سرير خشبي مثلا كذلك يعجز الأصولي عن الإستنباط إذ لم يفحص بدقة العناصر الخاصة المتغيرة من مسألة إلى أخرى . فالعناصر المشتركة والعناصر الخاصة قطبان مندمجان في عملية الإستنباط ولا غنى للعملية عنهما معا . الأصول والفقه يمثلان النظرية والتطبيق ونخشى أن نكون قد أوحينا اليكم بتصور خاطى حين أو ضحنا أن المستنبط يدرس في علم الأصول العناصر المشتركة ويحددها ويتناول في بحوث علم الفقه العناصر الخاصة ليكمل بذلك عملية الإستنباط إذ قد يتصور البعض أنا إذا درسنا في علم الأصول العناصر المشتركة في عملية الإستنباط وعرفنا مثلا حجية الخبر وحجية الظهور وما إليهما من العناصر الأصولية فلا يبقى علينا بعد ذلك أي جهد علمي إذ لا نحتاج ما دمنا نملك تلك العناصر إلا إلى مجرد إستخراج الروايات والنصوص من مواضعها لكي تضاف إلى العناصر المشتركة ويستنبط منها الحكم الشرعي وهو عمل سهل بطبيعته لا يشتمل على جهد علمي . ولكن هذا التصور خاطى إلى درجة كبيرة لان المجتهد إذا مارس [ 42 ] العناصر المشتركة لعملية الإستنباط وحددها في علم الأصول لا يكتفي بعد ذلك بتجميع أعمى للعناصر الخاصة من كتب الأحاديث والروايات مثلا بل يبقى عليه أن يمارس في علم الفقه تطبيق تلك العناصر المشتركة ونظرياتها العامة على العناصر الخاصة والتطبيق مهمة فكرية بطبيعتها تحتاج إلى درس وتمحيض ولا يغني الجهد العلمي المبذول أصوليا عن بذل جهد جديد في التطبيق فلنفرض مثلا أن المجتهد آمن في علم الأصول بحجية الظهور العرفي فهل يكفيه أن يضع إصبعه على رواية علي بن مهزيار التي حددت مجالات الخمس مثلا يضيفها إلى العنصر المشترك ويستنبط من ذلك عدم وجوب الخمس في ميراث الاب أو ليس المجتهد بحاجة إلى تدقيق مدلول النص في الرواية لمعرفة نوع مدلوله في العرف العام ودراسة كل ما يرتبط بتحديد ظهوره العرفي من قرائن وإمارات داخل إطار النص أو خارجه لكي يتمكن بأمانة من تطبيق العنصر المشترك القائل بحجية الظهور العرفي وفي هذا الضوء نعرف أن البحث الفقهي عن العناصر الخاصة في عملية الإستنباط ليس مجرد عملية تجميع بل هو مجال التطبيق للنظريات الأصولية وتطبيق النظريات العامة له دائما موهبته الخاصة ودقته ومجرد الدقة في النظريات العامة لا يغني عن الدقة في تطبيقها ألا ترون أن من يدرس بعمق النظريات العامة في الطب يحتاج في مجال تطبيقها على حالة مرضية إلى دقة وإنتباه كامل وتفكير في تطبيق تلك النظريات على المريض الذي بين يديه . التفاعل بين الفكر الأصولي والفكر الفقهي عرفنا أن علم الأصول يقوم بدور المنطق بالنسبة إلى علم الفقه والعلاقة بينهما علاقة النظرية والتطبيق وهذا الترابط الوثيق بينهما يفسر لنا التفاعل المتبادل بين الذهنية الأصولية على صعيد النظريات من ناحية وبين الذهنية الفقهية على صعيد التطبيق من ناحية أخرى لان توسع بحوث التطبيق يدفع [ 43 ] بحوث النظرية خطوة إلى الإمام لأنه يثير أمامها مشاكل ويضطرها إلى وضع النظريات العامة لحولها كما أن دقة البحث في النظريات الأصولية تنعكس على صعيد التطبيق إذ كلما كانت النظريات أوفر وأدق تطلبت طريقة تطبيقها دقة وعمقا أكبر . وهذا التفاعل بين الذهنيتين الأصولية والفقهية يؤكده تاريخ العلمين على طول الخط وتكشف عنه بوضوح دراسة المراحل التي مر بها البحث الفقهي والبحث الأصولي في تاريخ العلم فقد نشأ علم الأصول في أحضان علم الفقه كما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث . ولم يكن علم الأصول مستقلا عن علم الفقه في البداية ومن خلال نمو علم الفقه وإتساع أفق التفكير الفقهي أخذت الخيوط العامة والعناصر المشتركة في عملية الإستنباط تبدو وتتكشف وأخذ الممارسون للعمل الفقهي يلاحظون إشتراك عمليات الإستنباط في عناصر عامة لا يمكن إستخراج الحكم الشرعي بدونها وكان ذلك إيذانا بمولد علم الأصول وإتجاه الذهنية الفقهية إتجاها أصوليا فانفصل علم الأصول عن علم الفقه في البحث والتصنيف وأخذ يتسع ويشرى تدريجا من خلال نمو الفكر الأصولي من ناحية وتبعا لتوسع البحث الفقهي من ناحية أخرى لان إتساع نطاق التطبيق الفقهي كان يلفت أنظار الممارسين إلى مشاكل جديدة فتوضع للمشاكل حلولها المناسبة وتتخذ الحلول صورة العناصر المشتركة في علم الأصول . وكلما بعد الفقيه عن عصر النص تعدد جوانب الغموض في فهم الحكم من مداركه الشرعية وتنوعت الفجوات في عملية الإستنباط نتيجة للبعد الزمني فيحس أكثر فاكثر بالحاجة إلى تحديد قواعد عامة يعالج بها جوانب الغموض ويملا بها تلك الفجوات وبهذا كانت الحاجة إلى علم الأصول تاريخية بمعنى أنها تشتد وتتأكد كلما إبتعد الفقيه تاريخيا عن عصر النص وتراكمت الشكوك على عملية الإستنباط التي يمارسها . وعلى هذا الأساس [ 44 ] يمكن أن نفسر الفارق الزمني بين إزدهار علم الأصول في نطاق التفكير الفقهي السني وإزدهاره في نطاق تكفيرنا الفقهي الإمامي فإن التاريخ يشير إلى أن علم الأصول ترعرع وإزدهر نسبيا في نطاق الفقه السني قبل ترعرعه وإزدهاره في نطاقنا الفقهي الإمامي وذلك لان المذهب السني كان يزعم إنتهاء عصر النصوص بوفاة النبي صلى الله عليه وآله فحين إجتاز الفكر الفقهي السني القرن الثاني كان قد إبتعد عن عصر النصوص بمسافة زمنية كبيرة تخلق بطبيعتها الثغرات والفجوات . وأما الإمامية فقد كانوا وقتئذ يعيشون عصر النص الشرعي لان الإمام إمتداد لوجود النبي فكانت المشاكل التي يعانيها فقهاء الاماية في الإستنباط أقل بكير إلى الدرجة التي لا تفسح المجال للاحساس بالحاجة الشديدة إلى وضع علم الأصول ولهذا نجد أن الإمامية بمجر ان انتهى عصر النصوص بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بإنتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاص تفتحت ذهنيتهم الأصولية وإقبلوا على درس العناصر المشتركة . وهذا لا يعني طبعا أن بذور التفكير الأصولي لم توجدل لدى فقهاء أصحال الائمة بل قد وجدت هذه البذور منذ أيام الصادقين عليهما السلام على المستوى المناسب لتلك المرحلة ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الإستنباط وجهها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق وغيره من الائمة عليهم السلام وتلقوا جوابا منهم فإن تلك الاسئلة تكشف عن وجود بذرة التفكير الأصولي عندهم . ويعزز ذلك أن بعض أصحاب الائمة ألفوا رسائل في بعض المسائل الأصولية كهشام بن الحكم من أصحاب الإمام الصادق الذي روي أنه ألف رسالة في الالفاظ . [ 45 ] جواز عملية الإستنباط ما دام علم الأصول يرتبط بعملية الإستنباط ويحدد عناصرها المشتركة فيجب أن نعرف قبل كل شئ موقف الشريعة من هذه العملية فهل سمح الشارع لاحد بممارستها لكي يوجد مجال لوضع علم لدراسة عناصرها المشتركة والحقيقة أن مسألة جواز الإستنباط حين تطرح للبحث بالصيغة التي طرحناها لا يبدو أنها جديرة بالنقاش لاننا حين نتسأل هل يجوز لنا ممارسة عملية الإستنباط أو لا يجي الجواب على البداهة بالايجاب لان عملية الإستنباط كما تقدم عبارة عن تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديدا إستدلاليا ومن البديهي أن الإنسان بحكم تبعيته للشريعة ملزم بتحديد موقفه العملي منها ولما لم تكن أحكام الشريعة غالبا في البداهة والوضوح بدرجة تغني عن إقامة الدليل فليس من المعقول أن يحرم على الناس جميعا تحديد الموقف العملي تحديدا إستدلاليا . ولكن لسوء الحظ اتفق لهذه المسألة أن اكتسبت صيغة أخرى لا تخلو عن غموض وتشويش فأصبحت مثارا للاختلاف نتيجة لذلك الغموض والتشويش فقد إستخدمت كلمة الاجتهاد للتعبير عن عملية الإستنباط . وطرح السؤال هكذا هل يجوز الاجتهاد في الشريعة وحينما دخلت كلمة الاجتهاد في السؤال وهي كلمة مرت بمصطلحات عديدة في تاريخها - أدت [ 46 ] إلى إلقاء ظلال تلك المصطلحات السابقة على البحث ونتج عن ذلك أن أجاب البعض على السؤال بالنفي وأدى ذلك إلى شجب علم الأصول كله لأنه إنما يراد لاجل الاجتهاد فإذا ألغي الاجتهاد لم تعد حاجة إلى علم الأصول . وفي سبيل توضيح ذلك يجب أن نذكر التطور الذي مرت به كلمة الاجتهاد لكي نتبين كيف أن النزاع الذي وقع حول جواز عملية الإستنباط والضجة التي أثيرت ضدها لم يكن إلا نتيجة فهم غير دقيق للاصطلاح العلمي وغفلة عن التطورات التي مرت بها كلمة الاجتهاد في تاريخ العلم . الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد وهو “ بذل الوسع للقيام بعمل ما “وقد إستعملت هذه الكلمة - لاول مرة - على الصعيد الفقهي للتعبير بها عن قاعدة من القواعد التي قررتها بعض مدارس الفقه السني وسارت على أساسها وهي القاعدة القائلة : “ إن الفقيه إذا أراد أن يستنبط حكما شرعيا ولم يجد نصا يدل عليه في الكتاب أو السنة رجع إلى الاجتهاد بدلا عن النص “ . والاجتهاد هنا يعني التفكير الشخصي فالقيه حيث لا يجد النص يرجع إلى تفكيره الخاص ويستلهمه ويبني على ما يرجع في فكره الشخصي من تشريع وقد يعبر عنه بالرأي أيضا . والاجتهاد بهذا المعنى يعتبر دليلا من أدلة الفقيه ومصدرا من مصادره فكما أن الفقيه قد يستند إلى الكتاب أو السنة ويستدل بهما معا كذلك يستند في حالات عدم توفر النص إلى الاجتهاد الشخصي ويستدل به . وقد نادت بهذا المعنى للاجتهاد مدارس كبيرة في الفقه السني وعلى رأسها مدرسة أبي حنيفة . ولقي في نفس الوقت معارضة شديدة من أئمة أهل [ 47 ] البيت ( ع ) والفقهاء الذين ينتسبون إلى مدرستهم . وتتبع كلمة الاجتهاد يدل على أن الكلمة حملة هذا المعنى وكانت تستخدم للتعبير عنه منذ عصر الائمة إلى القرن السابع فالروايات المأثورة عن أئمة أهل البيت ( ع ) تذم الاجتهاد وتريد به ذلك المبدأ الفقهي الذي يتخذ من التفكير الشخصي مصدرا من مصارد الحكم وقد دخلت الحملة ضد هذا المبدأ الفقهي دور التصنيف في عصر الائمة أيضا والرواة الذين حملوا آثارهم وكانت الحملة تستعمل كلمة الاجتهاد غالبا للتعبير عن ذلك المبدأ وفقا للمصطلح الذي جاء في الروايات فقد صنف عبدالله بن عبدالرحمن الزبيري كتبا أسماه “ الاستفادة في الطعون على الاوائل والرد على أصحاب الاجتهاد والقياس “ . وصنف هلال بن إبراهيم بن ابي الفتح المدني كتابا في الموضوع بإسم كتاب “ الرد على من رد آثار الرسول وإعتمد على نتائج العقول “وصنف في عصر الغيبة الصغرى أو قريبا منه إسماعيل بن علي ابن اسحاق بن أبي سهل النوبختي كتابا في الرد على عيسى بن أبان في الاجتهاد كما نص على ذلك كله النجاشي صاحب الرجال في ترجمة كل واحد من هؤلاء . وفي أعقاب الغيبة الصغرى نجد الصدوق في أواسط القرن الرابع يواصل تلك الحملة ونذكر له على سبيل المثال تعقيبه على قصة موسى والخضر إذ كتب يقول : “ أن موسى مع كمال عقله وفضله ومحله من الله تعالى لم يدرك بإستنباطه وإستدلاله معنى أفعال الخضر حتى إشتبه عليه وجه الأمر به فإذا لم يجز لانبياء الله ورسله القياس والاستدلال والاستخراج كان من دونهم من الامم أولى بأن لايجوز لهم ذلك . . . فإذا لم يصلح موسى للاختيار - مع فضله ومحله - فكيف تصلح الامة لاختيار الإمام وكيف يصلحون لاستنباط الأحكام الشرعية وإستخراجها بعقولهم الناقصة وآرائهم المتفاوتة “ . وفي أواخر القرن الرابع يجئ الشيخ المفيد فيسير على نفس الخط ويهجم [ 48 ] على الاجتهاد وهو يعبر بهذه الكلمة عن ذلك المبدأ الفقهي الآنف الذكر ويكتب كتابا في ذلك بإسم “ النقض على ابن الجنيد في أجتهاد الرأي “ . ونجد المصطلح نفسه لدى السيد المرتضى في أوائل القرن الخامس إذ كتب في الذريعة يذم الاجتهاد ويقول : “ إن الاجتهاد باطل وإن الإمامية لا يجوز عندهم العمل بالظن ولا الرأي ولا الاجتهاد “ . وكتب في كتابه الفقهي “ الانتصار “ معرضا بابن الجنيد - قائلا : “ إنما عول ابن الجنيد في هذه المسألة على ضرب من الرأي والاجتهاد وخطأه ظاهر “ وقال في مسألة مسح الرجلين في فصل الطهارة من كتاب الانتصار : “ إنا لا نرى الاجتهاد ولا نقول به “ . وإستمر هذا الاصطلاح في كلمة الاجتهاد بعد ذلك أيضا فالشيخ الطوسي الذي توفي في أواسط القرن الخامس يكتب في كتاب العدة قائلا : “ إما القياس والاجتهاد فعندنا إنهما ليسا بدليلين بل محظور في الشريعة إستعمالها “ . وفي أواخر القرن السادس يستعرض إبن إدريس في مسألة تعارض البينتين من كتابه السرائر عددا من المرجحات لاحدى البينتين على الاخرى ثم يعقب ذلك قائلا : “ ولا ترجيح بغير ذلك عند أصحابنا والقياس والاستحسان والاجتهاد باطل عندنا “ . وهكذا تدل هذه النصوص بتعاقبها التاريخي المتتابع على أن كلمة الاجتهاد كانت تعبيرا عن ذلك المبدأ الفقهي المتقدم إلى أوائل القرن السابع وعلى هذا الأساس إكتسبت الكلمة لونا مقيتا وطابعا من الكراهية والاشمئزاز في الذهنية الفقهية الإمامية نتيجة لمعارضة ذلك المبدأ والايمان ببطلأنه . [ 49 ] ولكن كلمة الاجتهاد تطورت بعد ذلك في مصطلح فقهائنا ولا يوجد لدينا الآن نص شيعي يعكس هذا التطور أقدم تاريخا من كتاب المعارج للمحقق الحلي المتوفي سنة ( 676 ه ) إذ كتب المحقق تحت عنوان حقيقة الاجتهاد يقول : “ وهو في عرف الفقهاء بذل الجهد في إستخراج الأحكام الشرعية وبهذا الاعتبار يكون إستخراج الأحكام من أدلة الشرع إجتهادا لأنها تبتني على إعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الاكثر سواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد . فإن قيل : يلزم - على هذا - أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد . قلنا : الأمر كذلك لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد فإذا أستثني القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس “ . ويلاحظ على هذا النص بوضوح أن كلمة الاجتهاد كانت لا تزال في الذهنية الأساسية مثقلة بتبعة المصطلح الأوَّل ولهذا يلمح النص إلى أن هناك من يتحرج من هذا الوصف ويثقل عليه أن يسمي فقهاء الإمامية مجتهدين . ولكن المحقق الحلي لم يتحرج عن إسم الاجتهاد بعد أن طوره أو تطور في عرف الفقهاء تطويرا يتفق مع مناهج الإستنباط في الفقه الإمامي إذ بينما كان الاجتهاد مصدرا للفقيه يصدر عنه ودليلا يستدل به كما يصدر عن آية أو رواية أصبح في المصطلح الجديد يعبر عن الجهد الذي يبذله الفقيه في إستخراج الحكم الشرعي من أدلته ومصادره فلم يعد مصدرا من مصادر الإستنباط بل هو عملية إستنباط الحكم من مصادره التي يمارسها الفقيه . والفرق بين المعنيين جوهري للغاية إذ كان على الفقيه - على أساس [ 50 ] المصطلح الأوَّل للاجتهاد - أن يستنبط من تفكيره الشخصي وذوقه الخاص في حالة عدم توفر النص فإذا قيل له : ما هو دليلك ومصدر حكمك هذا إستدل بالاجتهاد وقال : الدليل هو إجتهادي وتفكيري الخاص . واما المصطلح الجديد فهو لا يسمح للفقيه أن يبرر أي حكم من الأحكام بالاجتهاد لان الاجتهاد بالمعنى الثاني ليس مصدرا للحكم بل هو عملية إستنباط الأحكام من مصادرها فإذا قال الفقيه “ هذا إجتهادي “ كان معناه أن هذا هو ما إستنبطه من المصادر والأدلة فمن حقنا أن نسأله ونطلب منه أن يدلنا على تلك المصادر والأدلة التي إستنبط الحكم منها . وقد مر هذا المعنى الجديد لكلمة الاجتهاد بتطور أيضا فقد حدده المحقق الحلي في نطاق عمليات الإستنباط التي لا تستند إلى ظواهر النصوž